ابن خلدون

197

تاريخ ابن خلدون

بسكرة واقتحمها عليه ونجا ابن غانية وجمع أوباشا من العرب والبربر واتبعه السيد أبو زيد في الموحدين وقبائل هوارة وتزاحفوا بظاهر تونس سنة احدى وعشرين فانهزم ابن غانية وجموعه وقتل كثير من الملثمين وامتلأت أيدي الموحدين من الغنائم وكان طرأ له يومئذ حماس من بعد ما سعى في هذا الزحف أثر مذكور وبلاء حسن وبلغ السيد أبا زيد إثر هذه الوقيعة خبر مهلك أبيه بتونس فانكف راجعا وأعيد بنو أبى حفص إلى مكان أبيهم الشيخ أبى محمد بن أثال بإفريقية واستقل الأمير أبو زكريا منهم بأمرها واقتلعها عن ملكه إلى عبد المؤمن وتناولها من يد أخيه أبى محمد عبد وهذا الأمير أبو زكريا هو جد الخلفاء الحفصيين وماهد أمرهم بإفريقية فأحسن دفاع ابن غانية عنها وشرده في أقطارها ورفع يده شيئا فشيئا عن النيل من أهلها ورواياها ولم يزل شريدا مع العرب بالقفار فبلغ سجلماسة من أقصى المغرب والعقبة الكبرى من تخوم الديار المصرية واستولى على ابن مذكور صاحب السريقة من تخوم برقة وأوقع بمغراوة لواجد ماهولجة ومليانة وقتل أميرهم منديل بن عبد الرحمن وصلب شلوه بسور الجزائر وكان يستخدم الجند فإذا سئموا الخدمة تركهم لسبيلهم إلى أن هلك لخمسين سنة من امارته سنة احدى وثلاثين وقيل ثلاث وثلاثين ودفن وعفى أثر مدفنه يقال بوادي الرجوان قتله الاريس ونقل بجهة مليانة من وادى شلف ويقال بصحراء باديس ومديد من بلاد الزاب وانقرض أمر الملثمين من مسوقة ولمتونة ومن جميع بلاد إفريقية والمغرب والأندلس بمهلكه وذهب ملك صنهاجة من الأرض بذهاب ملكه وانقطاع أمره وقد خلف بنات بعثهن زعموا إلى الأمير أبى زكريا لعهده بذلك إلى علجه جابر فوضعن في يده وبلغه وفاة أبيهن وحسن ظنه في كفالته إياهن فأحسن الأمير أبو زكريا كفالتهن وبنى لهن بحضرته دارا لصونهن معروفة لهذا العهد بقصر البنات وأقمن تحت حراسته وفى سعة من رزقه موصولات لوصاة أبيهن بذلك منهن وحفظهن لوصاته ولقد يقال إن ابن عم لهن خطب إحداهن فبعث إليها الأمير أبو زكريا فقال لها هذا ابن عمك وأحق بك فقالت لو كان ابن عمنا ما كفلنا الأجانب إلى أن هلكن عوانس بعد أن متعن من العمر بحظ ( أخبرني والدي رحمه الله ) أنه أدرك واحدة منهن أيام حياته في سنى العشر والسبعمائة تناهز التسعين من السنين ( قال ) ولقيتها وكانت من أشرف النساء نفسا وأسراهن خلقا وأزكاهن حالا والله وارث الأرض ومن عليها ومضى هؤلاء الملثمون وقبائلهم لهذا العهد بمجالاتهم من جواز السواد ان حجزا بينهم وبين الرمال التي هي تخوم بلاد البربر من المقدس وإفريقية وهم لهذا العهد متصلون من ساحل البحر المحيط في المغرب إلى ساحل النيل بالمشرق وهلك